محمد بن جرير الطبري

78

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إذا بذلك فساد قول من زعم أن تأويل ذلك إنما هو : الذين اتقوا الشرك وبرءوا من النفاق ؛ لأَنه قد يكون كذلك وهو فاسق غير مستحق أن يكون من المتقين . إلا أن يكون عند قائل هذا القول معنى النفاق ركوب الفواحش التي حرمها الله جل ثناؤه وتضييع فرائضه التي فرضها عليه ، فإن جماعة من أهل العلم قد كانت تسمي من كان يقع ذلك منافقا ، فيكون وإن كان مخالفا في تسميته من كان كذلك بهذا الاسم مصيبا تأويل قول الله عز وجل للمتقين . القول في تأويل قوله تعالى . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ حدثنا محمد بن حميد الرازي ، قال حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ قال : يصدقون . حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يُؤْمِنُونَ يصدقون . حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : يُؤْمِنُونَ يخشون . حدثنا محمد بن عبد الأَعلى الصنعاني ، قال : حدثنا محمد بن ثور عن معمر ، قال : قال الزهري : الإِيمان : العمل . وحدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن العلاء بن المسيب بن رافع ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأَحوص عن عبد الله ، قال : الإِيمان : التصديق . ومعنى الإِيمان عند العرب : التصديق ، فيدعى المصدق بالشيء قولا مؤمنا به ، ويدعى المصدق قوله بفعله مؤمنا . ومن ذلك قول الله جل ثناؤه : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ يعني : وما أنت بمصدق لنا في قولنا . وقد تدخل الخشية لله في معنى الإِيمان الذي هو تصديق القول بالعمل . والإِيمان كلمة جامعة للإِقرار بالله وكتبه ورسله ، وتصديق الإِقرار بالفعل . وإذا كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بتأويل الآية وأشبه بصفة القوم : أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغيب ، قولا ، واعتقادا ، وعملا ، إذ كان جل ثناؤه لم يحصرهم من معنى الإِيمان على معنى دون معنى ، بل أجمل وصفهم به من غير خصوص شيء من معانيه أخرجه من صفتهم بخبر ولا عقل . القول في تأويل قوله تعالى : بِالْغَيْبِ حدثنا محمد بن حميد الرازي ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : بِالْغَيْبِ قال : بما جاء به ، يعني من الله جل ثناؤه . حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي : بِالْغَيْبِ أما الغيب : فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار ، وما ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن . لم يكن تصديقهم بذلك يعني المؤمنين من العرب من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم . حدثنا أحمد بن إسحاق الأَهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا سفيان عن عاصم ، عن زر ، قال : الغيب : القرآن . حدثنا بشر بن معاذ العقدي ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة في قوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قال : آمنوا بالجنة والنار والبعث بعد الموت وبيوم القيامة ، وكل هذا غيب . حدثنا عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ آمنوا بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه ، وآمنوا بالحياة بعد الموت ، فهذا كله غيب . واصل الغيب : كل ما غاب عنك من شيء ، وهو من قولك : غاب فلان يغيب